أعلن فريق من الباحثين المغاربة بمعهد باستور المغرب وجامعات وطنية، بالتعاون مع خبراء دوليين، عن نتائج أول دراسة من نوعها تتبع بشكل مباشر التطور الجينومي لفيروس سارس-كوف-2 المسبب لمرض كورونا، في المغرب خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024.
وفقا للدراسة، التي نشرت نتائجها مجلة “إن بي جاي فايروسِز” التابعة لمجموعة “نيتشر” خلال غشت 2025، فإن الفيروس عرف انتقالا تدريجيا من المتحورات الأولى مثل ألفا ودلتا، إلى سيطرة كاملة لمتحور أوميكرون، قبل أن تظهر سلالة فرعية جديدة تسمى JN.1 هيمنت خلال سنة 2024 بالمغرب. وأشار الباحثون إلى أن ما وقع في المغرب يعكس إلى حد كبير ما عرفه العالم، لكن مع خصوصية مرتبطة بموقع المملكة الجغرافي الذي يجعلها جسرا بين إفريقيا وأوروبا ومركزا مهما للتبادل والسفر، وبالتالي نقطة رئيسية في حركة المتحورات عبر الحدود.
واعتمدت الدراسة على تحليل 235 عينة من مرضى أصيبوا بكوفيد-19 في الدار البيضاء، حيث جُمعت من مستشفى ابن رشد ومن عيادات خاصة، خلال الفترة المرجعية المذكورة.
وأظهرت النتائج أن 56.6 بالمائة من الإصابات سجلت لدى النساء مقابل 43.4 بالمائة لدى الرجال. كما تبين أن الشباب كانوا الأكثر عرضة، إذ إن ما يقارب نصف المصابين (48.5 بالمائة) تتراوح أعمارهم بين 20 و40 سنة، فيما مثّلت الفئة بين 41 و60 سنة حوالي 31.5 بالمائة.
أما من تجاوزوا الستين فبلغت نسبتهم 14.5 بالمائة، في حين لم تتعد إصابات من هم أقل من عشرين سنة 5.5 بالمائة. وأوضح التقرير أن أغلبية الحالات كانت مصحوبة بأعراض واضحة بنسبة 79.1 بالمائة، بينما 14.5 بالمائة فقط لم تظهر عليهم أعراض.
على مستوى تطور المتحورات، بيّن الدراسة أن سنة 2021 كانت سنة “التعدد”، حيث تواجدت أربعة متحورات أساسية؛ تضم متحور ألفا بنسبة 37.5 بالمائة، ودلتا بنسبة 39.2 بالمائة، وإيتا بنسبة صغيرة جدا لم تتجاوز 1.8 بالمائة، إلى جانب ظهور مبكر لمتحور أوميكرون بنسبة 21.4 بالمائة.
لكن مع حلول سنة 2022، تغير المشهد بشكل كلي، إذ اختفى كل من ألفا ودلتا وإيتا، لتبقى السيطرة المطلقة لأوميكرون ومشتقاته، بنسبة 100 بالمائة من الحالات، واستمرت هيمنته طيلة 2023 و2024.
وتنوعت في 2022 سلالات أوميكرون الفرعية مثل BA.2 وBA.5.1 وBA.5.2، ثم ظهرت سنة 2023 السلالة JN.1.1، التي حلت مكانها بسرعة سنة 2024 سلالة JN.1.45 الأكثر قدرة على الانتشار، وفقا لنتائج الدراسة.
وأوضح الباحثون أن المتحورات الأولى مثل ألفا ودلتا كانت تحمل عددا محدودا من الطفرات يتراوح بين 34 و38 تغييرا في تركيب البروتينات، لكن مع ظهور أوميكرون في نهاية 2021 وبداية 2022 ارتفع هذا العدد بشكل كبير ليصل إلى أكثر من 44 طفرة.
أما السلالات الجديدة مثل JN.1.1 وJN.1.45 فقد بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث حملت ما بين 88 و89 طفرة إضافة إلى 17 حذفا في الشيفرة الجينية، وهو ما منحها قدرة أكبر على مقاومة المناعة الطبيعية والمكتسبة باللقاح، وزاد من سرعة انتشارها، حسب الدراسة.
الدراسة أشارت أيضا إلى أن المتحورات الأولى في 2021 كانت في الغالب محلية الانتشار داخل المغرب، بينما مع ظهور أوميكرون تغيرت الصورة، إذ سرعان ما انتقل عبر القارات ليصل إلى أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.
كما كشفت أن المغرب لعب دورا مزدوجا، فهو استقبل متحورات جديدة قادمة من الخارج، وفي الوقت نفسه كان مصدرا لبعض المتحورات التي انتقلت لاحقا إلى مناطق أخرى، وهو ما يعكس موقعه كـ”محطة عبور إقليمية” في دينامية الجائحة.
وشدد الباحثون على أن التجربة المغربية تبرز ثلاثة مسارات رئيسية: بداية مع مرحلة التعايش بين ألفا ودلتا، ثم الانتقال إلى هيمنة أوميكرون بفضل قدرته الكبيرة على الهروب من المناعة، وأخيرا مرحلة السلالات الفرعية المتطورة JN.1.1 وJN.1.45 التي مثلت قفزة جديدة في عدد الطفرات.
وأوضحت الدراسة أن بعض هذه الطفرات، مثل E484K وN501Y، سبق أن ارتبطت بانخفاض فعالية اللقاحات في بلدان كالبرازيل والهند، ما يطرح تحديات حقيقية أمام استراتيجيات التطعيم.
وأوصى الباحثون بثلاث خطوات أساسية لضمان استعداد أفضل في المستقبل، بدءا بإنشاء مراكز مراقبة بالمطارات والموانئ لرصد دخول المتحورات الجديدة، ثم الاستثمار في تقنيات لقاح حديثة يمكن تعديلها بسرعة لتناسب أي متحور جديد. وثالثا، تعزيز التعاون بين بلدان شمال إفريقيا لتبادل البيانات الجينومية بشكل منظم تحت إشراف منظمة الصحة العالمية.