تشير الإسقاطات الديموغرافية إلى أن عدد سكان المغرب قد يبلغ 40,5 مليون نسمة في أفق 2040، في أبرز توقع يورده تقرير “التحولات الديموغرافية والواقع الاجتماعي-الاقتصادي في المغرب” الصادر في فبراير 2026 عن المندوبية السامية للتخطيط، وهو توقع مبني على فرضيات تتعلق بالخصوبة والوفيات والهجرة، ويرسم ملامح المشهد السكاني خلال العقد الرابع من الألفية الثالثة.
ويأتي هذا الأفق بعد أن سجل الإحصاء الأخير بلوغ عدد السكان 36,8 مليون نسمة، مقابل 33,8 مليون سنة 2014 و29,9 مليون سنة 2004، ما يعكس استمرار النمو السكاني ولكن بوتيرة متباطئة مقارنة بالعقدين الماضيين.
وتفيد توقعات المندوبية بأن أمل الحياة عند الولادة قد يرتفع إلى 79,3 سنة في حدود سنة 2040، إذا ما استمرت الدينامية الإيجابية المسجلة في المؤشرات الصحية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة. ويُظهر الإحصاء الأخير أن أمل الحياة بلغ 76,4 سنة، مقارنة بـ74,2 سنة 2004، في امتداد لمسار تصاعدي طويل بدأ منذ ستينات القرن الماضي حين لم يكن يتجاوز 47 سنة 1960، وهو ما يعكس التحسن التدريجي في شروط العيش والخدمات الصحية.
فرضية انخفاض نسبة الأطفال
وخلال السنوات 14 المقبلة، تتوقع المندوبية أن يستقر المعدل التركيبي للخصوبة في حدود 1,9 طفل لكل امرأة، أي دون عتبة تجديد الأجيال المحددة في 2,1 طفل لكل امرأة. ويكشف الإحصاء الأخير أن هذا المعدل بلغ 1,97 طفل لكل امرأة، منخفضا مقارنة بسنة 2014 حين كان في حدود 2,5 طفل، وبسنة 2004 حين سجل المستوى نفسه تقريبا، بعد أن كان في حدود 7,2 أطفال لكل امرأة سنة 1960، ما يؤكد تسارع الانتقال نحو خصوبة منخفضة خلال جيل واحد.
وبحسب الإسقاطات الديموغرافية، فإن نسبة الأطفال دون 15 سنة قد تنخفض إلى 19,2 بالمائة من مجموع السكان سنة 2040، أي ما يعادل 7,8 مليون نسمة، وهو تحول عميق في شكل الهرم السكاني خلال العقد الرابع من الألفية. أما الإحصاء الأخير فيُظهر أن هذه الفئة تمثل 26,5 بالمائة من السكان، أي 9,7 مليون نسمة، بعد أن كانت نسبتها أعلى في 2014 و2004، ما يعكس تراجعا تدريجيا في وزن الفئات الصغرى سنا.
في المقابل، تشير التوقعات إلى أن نسبة السكان البالغين 60 سنة فأكثر قد ترتفع إلى 19,5 بالمائة في أفق 2040، أي حوالي 7,9 مليون نسمة، بمعدل نمو سنوي متوسط يناهز 3 بالمائة خلال الفترة الممتدة على مدى 14 عاما. وقد سجل الإحصاء الأخير أن نسبة هذه الفئة بلغت 13,9 بالمائة، أي 5,1 مليون نسمة، وهي نسبة تفوق ما كان مسجلا سنة 2004، ما يؤكد تسارع وتيرة الشيخوخة خلال العقدين الماضيين.
رصيد بشري مهم في سن العمل
وتشير الإسقاطات الديموغرافية إلى أن عدد السكان في سن النشاط 15-59 سنة قد يبلغ 24,8 مليون نسمة بحلول سنة 2040، في إطار ما يعرف بالنافذة الديموغرافية التي يُنتظر أن تنتهي في أفق 2038. وقد بلغ عدد هذه الفئة وفق الإحصاء الأخير 22,1 مليون نسمة، بعدما كان أقل في 2014 و2004، ما يعني أن المغرب يتوفر خلال السنوات المقبلة على رصيد بشري مهم في سن العمل، سيكون حاسما في تحديد مسار التنمية خلال العقد الرابع من الألفية.
وفيما يتعلق بالتحضر، تفيد التوقعات بأن نسبة التمدن قد تصل إلى 69,2 بالمائة في أفق 2040، ما يعني أن حوالي 7 من كل 10 مغاربة سيقيمون في الوسط الحضري خلال العقد الرابع من الألفية الثالثة. ويُظهر الإحصاء الأخير أن نسبة التمدن بلغت 62,8 بالمائة، مقابل 60,4 بالمائة سنة 2014 و55,1 بالمائة سنة 2004، في حين ارتفع عدد السكان الحضريين من 16,5 مليون سنة 2004 إلى 20,4 مليون سنة 2014 ثم إلى 23,1 مليون في الإحصاء الأخير، مع توقع بلوغهم 28 مليون نسمة بعد 14 عاما، مقابل تراجع مرتقب لعدد السكان القرويين إلى 12,5 مليون بعد أن بلغ 13,7 مليون حاليا.
وخلال الفترة الممتدة إلى 2040، تتوقع المندوبية أن يرتفع عدد الأسر إلى 12,3 مليون أسرة، بزيادة تناهز 32 بالمائة مقارنة بالوضع المسجل في الإحصاء الأخير، مع انخفاض الحجم المتوسط للأسرة إلى 3,3 أفراد. ويبين الإحصاء الأخير أن عدد الأسر بلغ 9,3 ملايين أسرة بمتوسط حجم قدره 3,9 أفراد، مقابل 7,3 ملايين سنة 2014 و5,6 ملايين سنة 2004، ما يعكس تزايدا مستمرا في عدد الأسر مقابل تقلص تدريجي في حجمها خلال العقدين الماضيين.
استمرار الضغط على الحواضر
وتلفت الإسقاطات إلى احتمال استمرار الضغط على البنيات التحتية الحضرية خلال السنوات 14 المقبلة، في ظل النمو المرتقب للسكان الحضريين. وقد سجل الإحصاء الأخير بلوغ حظيرة السكن 11,85 مليون وحدة سكنية، منها 8,34 مليون في الوسط الحضري و3,52 مليون في الوسط القروي، بعد أن ارتفع عدد المساكن الحضرية من 6,2 مليون سنة 2014 إلى 8,3 مليون حاليا، بمعدل زيادة سنوية قدره 3 بالمائة، أي حوالي 210 ألف مسكن سنويا، مع تراجع السكن البدائي من 234 ألف سنة 2014 إلى 184 ألف في الإحصاء الأخير.
كما تشير التوقعات إلى أن التفاوتات المجالية قد تستمر في أفق 2040 ما لم تُعتمد سياسات تصحيحية، في ظل تمركز متوقع للنمو في الجهات الكبرى. ويُظهر الإحصاء الأخير أن الجهات الخمس الأكثر سكانا تمثل 70,2 بالمائة من مجموع السكان، وقد ساهمت بنسبة 86,2 بالمائة من الزيادة الإجمالية بين 2014 والإحصاء الأخير، ما يعكس استمرار التمركز الديموغرافي مقارنة بسنة 2014، وهو امتداد لمنحى قائم منذ 2004.
وفيما يتعلق بالمؤشرات الاجتماعية، تفيد الإسقاطات بأن آثار التحول في بنية الأعمار ستتفاعل مع أوضاع الفقر والهشاشة خلال العقد الرابع من الألفية. وقد سجل الإحصاء الأخير تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد إلى 6,8 بالمائة مقابل 11,9 بالمائة سنة 2014، أي بانخفاض قدره 5,1 نقاط مئوية، مع استمرار فجوة واضحة بين الوسطين الحضري والقروي. كما انخفض معدل الهشاشة من 11,7 بالمائة سنة 2014 إلى 8,1 بالمائة في الإحصاء الأخير، رغم بقاء حوالي 3 ملايين شخص في وضعية هشاشة، 82 بالمائة منهم في الوسط القروي.
ويرجح التقرير أن يشكل تحسن رأس المال البشري عاملا حاسما في توجيه مسار التنمية خلال السنوات 14 المقبلة وصولا إلى 2040. وتؤكد نتائج الإحصاء الأخير انخفاض معدل الأمية إلى 24,8 بالمائة مقابل 32,2 بالمائة سنة 2014، وارتفاع متوسط عدد سنوات التمدرس إلى 6,3 سنوات، مع تراجع نسبة السكان البالغين 25 سنة فأكثر بدون أي مستوى تعليمي من 44,6 بالمائة إلى 36,3 بالمائة خلال العقد الأخير، مقارنة بمستويات أعلى في 2004، ما يعكس تقدما متدرجا في مؤشرات التعليم، وإن ظل رهينا بتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية خلال العقد الرابع من الألفية الثالثة.

