في سياق التحديات المتزايدة التي يواجهها المغرب في تدبير الموارد المائية الزراعية، اقترحت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة “ساينتيفيك ريبورتس” التابعة لمجموعة “نيتشر” العلمية، نموذجاً عملياً لنظام ري ذكي منخفض التكلفة يعتمد على إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية بهدف تحسين استخدام المياه وتعزيز الاستدامة الزراعية.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها في المغرب، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الفلاحي على الزراعة المطرية ويواجه تحديات ندرة المياه وتقلب التساقطات، ما يجعل تطوير حلول تكنولوجية دقيقة لإدارة الري مسألة حيوية للأمن الغذائي والاقتصاد الزراعي.
يتضح موضوع الدراسة في تطوير نظام ري ذكي يعتمد على دمج أجهزة الاستشعار البيئية مع متحكمات دقيقة ومنصة سحابية لتحليل البيانات واتخاذ قرارات آلية بشأن تشغيل الري، وقد أنجزت هذه الدراسة ضمن تعاون علمي متعدد المؤسسات جمع بين مختبرات جامعية مغربية وهيئات بحثية دولية متخصصة في الزراعة الذكية وعلوم البيانات وأنظمة الطاقة والهندسة.
- عدم كفاءة طرق الري التقليديةقد تولّت فرق بحثية من مخبر ليماس بكلية العلوم ظهر المهراز التابعة لـجامعة سيدي محمد بن عبد الله تطوير الإطار العلمي والتجريبي المرتبط بأنظمة الري الذكية وتحليل المعطيات الميدانية، فيما أسهم مختبر النظم والبيئة المستدامة بكلية العلوم الهندسية في جامعة فاس الخاصة في تصميم المقاربة التقنية المرتبطة بالاستدامة وكفاءة استخدام الموارد.
كما شاركت كلية الدراسات العليا لعلوم البيانات الذكية في جامعة يونلين الوطنية للعلوم والتكنولوجيا في تياوان، ومركز أبحاث أنظمة الطاقة في جامعة خازار الأذربيجانية، في تطوير نماذج تحليل البيانات والحلول المرتبطة بالطاقة والأنظمة الذكية، بينما قدّم قسم التحكم الآلي والروبوتات في جامعة AGH للعلوم والتكنولوجيا في بولندا، مساهمة هندسية ركزت على أنظمة التحكم والتكامل بين المكونات التقنية.
ويركز البحث على معالجة مشكلة عدم كفاءة طرق الري التقليدية التي تؤدي إلى هدر المياه وتراجع الإنتاجية وزيادة الضغط على الموارد الطبيعية، وهي إشكالية مركزية في مناطق تعاني من ندرة المياه.
وتبرز أهمية الدراسة في أنها لا تكتفي بالتشخيص بل تقدم حلاً تقنياً عملياً يجمع بين الاستشعار الفوري والتحليل الآلي واتخاذ القرار الذكي، ما يجعلها تدخل ضمن توجهات التحول الرقمي للفلاحة الدقيقة.
وتشير الدراسة إلى أن أزمة المياه عالمية وليست محلية فقط، إذ يزداد الطلب على المياه العذبة بفعل النمو السكاني والتوسع الحضري والتغير المناخي، بينما تقترب البشرية من حد عالمي حرج لاستخدام المياه. وفي هذا السياق، تحذر التقديرات الدولية من فجوة متوقعة قد تصل إلى 40 بالمائة بين العرض والطلب على المياه بحلول 2030، مع احتمال معاناة مليارات الأشخاص من نقص المياه مستقبلاً، ما يضع إدارة المياه الزراعية في صلب السياسات التنموية.
وبالنسبة للمغرب وشمال إفريقيا، تتضاعف هذه التحديات بسبب الاعتماد الكبير على الأمطار وعدم انتظامها، إضافة إلى الخصائص الجغرافية والمناخية التي تجعل إدخال تقنيات الري الذكي ضرورة استراتيجية وليست خياراً تقنياً فقط.
- كيف يعمل النظام؟
يعتمد النظام على أجهزة استشعار تقيس درجة الحرارة والرطوبة ورطوبة التربة ومستوى المياه، وترسل هذه البيانات إلى متحكم ESP32 يقوم بجمعها ومعالجتها أولياً ثم نقلها عبر اتصال لاسلكي إلى منصة سحابية لتحليلها في الزمن الحقيقي.
وتقوم خوارزمية النظام بمقارنة القيم المقاسة بعتبات محددة مسبقاً لتحديد الحاجة الفعلية للري، ثم إصدار قرار آلي بتشغيل المضخة أو إيقافها، ما يسمح بتوزيع المياه بدقة وفق احتياجات المحصول والتربة بدل الاعتماد على جداول زمنية ثابتة. ويعني ذلك الانتقال من الري التقليدي إلى الري القائم على البيانات، وهو تحول جوهري في الفلاحة الذكية.
كما توضح الدراسة أن النظام المقترح لا يقتصر على التشغيل الآلي، بل يوفر أيضاً مراقبة عن بعد وتحليلاً مستمراً للمعطيات الزراعية، ما يمكّن الفلاحين من متابعة الظروف البيئية واتخاذ قرارات أكثر دقة.
وتؤكد النتائج التجريبية أن هذا النموذج يساهم بشكل ملحوظ في تقليل هدر المياه وتحسين إدارة الموارد مقارنة بالطرق التقليدية، حيث يسمح القياس الفوري واتخاذ القرار الآلي بتكييف الري مع تغير الظروف المناخية اليومية. وتبرز هذه النتائج أهمية إدماج الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء في الفلاحة، لأنها تجعل النظام قابلاً للتوسع والتكيّف مع أنواع مختلفة من المحاصيل والأراضي الزراعية.
كما تشير الورقة العلمية إلى أن الابتكار المقترح يجمع بين ثلاث مزايا رئيسية نادراً ما تجتمع في حلول الري الذكي؛ بما في ذلك انخفاض التكلفة، التكامل التقني، وقابلية التوسع. فقد قدّرت الدراسة تكلفة تنفيذ النظام بحوالي 44 دولاراً فقط، وهو رقم منخفض نسبياً يجعل التقنية مناسبة للمزارع الصغيرة والمتوسطة، وهي الفئة الأكثر انتشاراً في المغرب. ويعني ذلك أن الابتكار لا يظل حبيس المختبر بل يمكن تطبيقه فعلياً في الحقول، وهو معيار أساسي في تقييم الأبحاث التطبيقية في الفلاحة الرقمية.
تقليل مخاطر الإجهاد المائي
وتوضح الدراسة أيضاً أن مساهمة النظام لا تتوقف عند ترشيد المياه، بل تمتد إلى تعزيز الإنتاجية الزراعية وتقليل مخاطر الإجهاد المائي للمحاصيل وتحسين اتخاذ القرار الزراعي. كما يساهم النظام في تعزيز قدرة الفلاحين على التكيف مع التغير المناخي عبر توفير معلومات دقيقة في الزمن الحقيقي حول ظروف التربة والطقس، ما يسمح بتعديل ممارسات الري بسرعة.
وتتناول الدراسة كذلك موقعها ضمن الأدبيات العلمية، حيث تستعرض مجموعة واسعة من الأبحاث السابقة في مجال الري الذكي، بما في ذلك أنظمة تعتمد التعلم الآلي، والمنصات السحابية، والري الدقيق القائم على التبخر والنتح، وأنظمة تعتمد الطاقة الشمسية.
ويُظهر هذا الاستعراض أن التوجه العام في البحث العلمي يسير نحو الزراعة القائمة على البيانات والأنظمة الذاتية، لكن الدراسة الحالية تميزت بدمج جمع البيانات المحلية منخفضة الكمون مع تحليل سحابي مستمر ضمن بنية متكاملة منخفضة التكلفة. وتعد هذه المقاربة مساهمة أصيلة لأنها تجمع بين الدقة التقنية والجدوى الاقتصادية، وهو عنصر حاسم في تبني الابتكار في البيئات الزراعية النامية.
كما تشير الورقة إلى نموذج فلاحي في شمال إفريقيا يعكس خصائص بيئات مثل المغرب، حيث التضاريس التلية والاعتماد على الأمطار يمثلان تحدياً أمام أنظمة الري التقليدية. ويبرز هذا السياق الجغرافي أهمية اختبار حلول مرنة يمكنها العمل في ظروف مختلفة، بما في ذلك المزارع الصغيرة والمناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية المائية.
مراعاة القيود الاقتصادية للفلاحين
وتفصل الدراسة في الجانب المنهجي من خلال عرض مكونات النظام المادية والبرمجية والخوارزمية التي تحكم اتخاذ القرار. وتشمل المكونات أجهزة الاستشعار، المتحكمات الدقيقة، بروتوكولات الاتصال، منصة تحليل البيانات، إضافة إلى خوارزمية تعتمد قواعد منطقية وعتبات بيئية لضبط تشغيل الري. ويبرز هذا العرض المنهجي قابلية إعادة إنتاج النظام، وهو عنصر أساسي في البحث العلمي التطبيقي لأنه يسمح للباحثين والمؤسسات بتبني النموذج وتطويره في سياقات مختلفة.
وتشير النتائج إلى أن الجمع بين المعالجة المحلية للبيانات والتحليل السحابي يحقق استجابة سريعة للتغيرات البيئية، حيث يمكن للنظام اتخاذ قرارات فورية عندما تتجاوز المعطيات حدوداً حرجة، بينما يسمح التحليل السحابي بفهم الاتجاهات طويلة المدى. ويعني ذلك أن النظام يجمع بين التشغيل الآني والتحليل الاستراتيجي، وهو ما يعزز دقة إدارة المياه ويقلل من الاستهلاك غير الضروري. وتؤكد الدراسة أن هذه المقاربة تمثل خطوة نحو الفلاحة المتصلة التي تعتمد على البيانات في جميع مراحل الإنتاج.
ومن منظور اقتصادي، تؤكد الدراسة أن انخفاض تكلفة النظام يمثل عاملاً حاسماً في تبنيه، لأن الكثير من حلول الري الذكي تبقى مكلفة بالنسبة للمزارعين الصغار. ويجعل السعر المنخفض نسبياً إمكانية نشر النظام على نطاق واسع أمراً واقعياً، ما قد يساهم في تحسين كفاءة استخدام المياه على مستوى القطاع الزراعي ككل. كما يشير ذلك إلى أن الابتكار التكنولوجي يمكن أن يكون أداة للعدالة الزراعية إذا صُمم بطريقة تراعي القيود الاقتصادية للمزارعين.
وتخلص الدراسة إلى أن نظام الري الذكي المقترح يمثل تقدماً مهماً في مجال الزراعة المستدامة لأنه يربط بين تحسين استخدام المياه وزيادة الإنتاجية وتعزيز المرونة المناخية. كما تؤكد أن دمج إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية يفتح آفاقاً واسعة أمام تطوير حلول زراعية رقمية أكثر دقة ومرونة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ندرة المياه. وتشير إلى أن النموذج المقترح قابل للتطوير والتوسيع، ما يجعله أساساً لأبحاث مستقبلية يمكن أن تشمل الذكاء الاصطناعي والتنبؤ طويل المدى بالطلب على المياه.

