حذر الباحث الأمريكي مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن ومدير مشروع دراسات الشرق الأوسط السياسية، من أن الحرب الدائرة في المنطقة قد تقوض النظام الإقليمي الذي أشرفت عليه الولايات المتحدة في الخليج لعقود طويلة.
وفي تحليل نشره موقع فورين بوليسي بعنوان “الولايات المتحدة قد تخسر الخليج”، يرى لينش أن القصف الذي تنفذه إيران ضد دول الخليج، في سياق الحرب التي تخوضها إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة، دفع تلك الدول إلى صراع حاولت تفاديه لسنوات، مع احتمال انخراط مباشر لكل من السعودية والإمارات وقطر في المواجهة.
ويشير التقرير إلى أن هذا التطور يمثل، من منظور واشنطن، تجسيدا لطموح قديم يتمثل في إقامة تعاون عربي ـ إسرائيلي لمواجهة إيران دون حل القضية الفلسطينية. غير أن هذا السيناريو قد يتحقق، بحسب التحليل، في لحظة انهيار إقليمي واسع، ما يجعل المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط يبلغ ذروته في وقت تتجه فيه المنطقة نحو مزيد من الفوضى.
تآكل الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية
ويرى مارك لينش أن الحرب الحالية كشفت تراجع ثقة دول الخليج في الضمانات الأمنية الأمريكية. فالقادة الخليجيون الذين اعتمدوا طويلا على الحماية العسكرية لواشنطن باتوا يشككون في قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في حمايتهم من التهديدات الكبرى.
ويستحضر التحليل الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية سنة 2019، والتي أظهرت، بحسبه، ضعف القدرات الدفاعية وعدم وجود رد أمريكي فعال. كما عززت الهجمات بالطائرات المسيّرة على أبوظبي لاحقا هذا الشعور بالهشاشة الأمنية.
وقد دفع ذلك بعض دول الخليج إلى تبني سياسة تهدئة إقليمية، تُوّجت سنة 2023 باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في إطار مسار إقليمي لخفض التوترات.
استراتيجية إيرانية لتوسيع الحرب
لكن التطورات الأخيرة، وفق التقرير، أنهت هذا المسار. فمع استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لشن حرب واسعة تهدف إلى تغيير النظام في إيران، اعتبرت طهران أن العودة إلى الوضع السابق لم تعد ممكنة، فاختارت توسيع نطاق الحرب لتشمل دول الخليج.
ويشير لينش إلى أن إيران استخدمت الطائرات المسيّرة والصواريخ لاستهداف عدة دول خليجية، بينها الإمارات والبحرين والكويت والسعودية وقطر وسلطنة عمان، في محاولة لإظهار هشاشة هذه الدول أمام شعوبها وقياداتها.
كما تهدف هذه الاستراتيجية، بحسب التحليل، إلى إحداث صدمة اقتصادية عالمية عبر تعطيل إمدادات الطاقة، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز فعليا من خلال التهديدات التي دفعت ناقلات النفط إلى تجنب المرور في المنطقة.
انعكاسات اقتصادية وعسكرية
ويؤكد التقرير أن هذه التطورات أدت إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز عالميا، كما تسببت في توقف بعض المنشآت الحيوية في المنطقة، من بينها مصافي النفط في السعودية ومنشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر، حتى دون تعرضها لضربات مباشرة.
كما تعتمد إيران، بحسب التحليل، على استراتيجية استنزاف أنظمة الدفاع الجوي عبر إطلاق موجات متتالية من الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة والصواريخ، في مواجهة أنظمة دفاعية باهظة الثمن لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
قلق خليجي من استراتيجية تغيير النظام
ويشير مارك لينش إلى أن القادة الخليجيين يشعرون بقلق متزايد من الاستراتيجية التي تتبناها إسرائيل والولايات المتحدة لإسقاط النظام الإيراني، لأن انهيار الدولة في إيران قد يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة، تشمل موجات لجوء واضطرابات أمنية تمتد إلى الخليج.
كما يلفت التقرير إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، التي كانت تعتبر سابقا مصدر حماية، قد باتت تُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها مصدرا محتملا للخطر في حال توسع الحرب.
مستقبل النظام الإقليمي
ويخلص التحليل إلى أن الحرب الجارية قد تعيد تشكيل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط بشكل جذري. فسواء صمد النظام الإيراني أو انهار، فإن دول الخليج ستجد نفسها أمام واقع أمني جديد أكثر هشاشة.
ويحذر مارك لينش في ختام تحليله من أن هذه التطورات قد تمثل بداية تفكك النظام الإقليمي الذي بنته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، في ظل تزايد شكوك حلفائها في قدرتها على ضمان أمنهم.

