تتزايد التحذيرات في الأوساط السياسية والأمنية من مخاطر ما يُعرف بعمليات «الراية الزائفة» في سياق الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران منذ أواخر فبراير 2026، في وقت يتسع فيه نطاق المواجهة ليشمل هجمات متبادلة وتداعيات إقليمية تطال عدة دول في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.
مصطلح “الراية الزائفة” (False Flag) يشير إلى عمليات سرية يُنفَّذ فيها هجوم مع إظهاره وكأنه صادر عن طرف آخر بهدف تضليل الرأي العام أو تبرير تصعيد سياسي أو عسكري. ويشير خبراء في العلاقات الدولية إلى أن مثل هذه الخدع يُعد من التكتيكات المعروفة في الدراسات الأمنية، ويُستخدم أحياناً لإثارة الغضب الشعبي أو دفع حلفاء مترددين إلى التدخل أو تبرير تصعيد عسكري ضد خصم معين.
في هذا السياق، حذرت السلطات الإيرانية مراراً مما وصفته بإمكانية تنفيذ هجمات على منشآت الطاقة أو مواقع حساسة في دول مجلس التعاون الخليجي ثم نسبتها إلى طهران. وتقول طهران إن مثل هذه السيناريوهات قد تهدف إلى تصوير إيران باعتبارها تهديداً إقليمياً واسعاً، ودفع دول الخليج إلى الانخراط عسكرياً في النزاع.
وتؤكد إيران أن عملياتها العسكرية تقتصر، وفق روايتها، على أهداف مرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة، دون نية لاستهداف الدول العربية في المنطقة.
في المقابل، تداولت وسائل إعلام إيرانية وتقارير مقربة من طهران مزاعم تفيد بأن بعض الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت طاقة في المنطقة ربما لم تكن إيرانية المصدر، بل عمليات نفذتها شبكات سرية مرتبطة بإسرائيل بهدف توسيع نطاق الحرب. غير أن هذه الادعاءات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن السعودية أبلغت عبر قنوات غير مباشرة أن أي هجوم مؤكد على أراضيها أو منشآتها النفطية سيقابل برد مماثل، في حين تبقى المعلومات الدقيقة حول مصدر الهجمات محدودة بسبب ضبابية المعلومات خلال النزاعات المسلحة.
ومن بين الحوادث التي أثارت اهتماماً واسعاً، هجوم بطائرة مسيّرة من طراز يشبه «شاهد» على قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص مطلع مارس . وأسفر الهجوم عن أضرار محدودة في أحد الحظائر ومدرج الطائرات دون وقوع إصابات، فيما أعلنت السلطات البريطانية والقبرصية أن الطائرة أطلقتها جهة مرتبطة بحزب الله من لبنان، استناداً إلى خصائصها التقنية.
ونفت إيران أي مسؤولية مباشرة عن الحادث، بينما اعتبر بعض المحللين أن الهجوم قد يكون محاولة لجر بريطانيا أو حلف شمال الأطلسي إلى انخراط أعمق في النزاع، رغم عدم توفر أدلة قاطعة تدعم هذا التفسير.
كما أثار حادث آخر في الرابع من مارس جدلاً عندما عبر صاروخ باليستي مرتبط بإيران الأجواء العراقية والسورية مقترباً من المجال الجوي التركي قبل أن تعترضه أنظمة الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي في شرق المتوسط. وسقطت شظايا الصاروخ في ولاية هاتاي جنوب تركيا دون تسجيل إصابات.
وأكدت وزارة الدفاع التركية الواقعة، فيما أجرى وزير الخارجية التركي اتصالاً بنظيره الإيراني للتأكيد على ضرورة ضبط النفس. من جهتها نفت طهران استهداف الأراضي التركية، مشيرة إلى احتمال حدوث انحراف في مسار الصاروخ أو عوامل تقنية أخرى.
وفي سياق الجدل الإعلامي، انتشر على منصات رقمية ادعاء طرحه المعلق الأمريكي تاكر كارلسون يفيد باعتقال عناصر من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في السعودية وقطر أثناء التحضير لهجمات يُفترض أن تُنسب إلى إيران. غير أن السلطات في البلدين نفت هذه المزاعم، ولم تظهر أدلة مستقلة تؤكد حدوث مثل هذه الاعتقالات.
ويقول محللون إن اتهامات «العمليات المزيّفة» غالباً ما تظهر في الحروب الحديثة كجزء من الصراع المعلوماتي والنفسي، حيث يسعى كل طرف إلى التأثير في الرأي العام الدولي وتوجيه السردية السياسية للنزاع.
ويحذر خبراء من أن التحقق من مثل هذه الادعاءات غالباً ما يستغرق سنوات، إذ لا تتكشف تفاصيل العمليات السرية إلا لاحقاً عبر وثائق أو تحقيقات مستقلة.
وفي ظل استمرار الضربات العسكرية والتوتر الإقليمي، ترى مراكز بحثية أن الصراع الدائر يجمع بين المواجهة العسكرية التقليدية ووسائل «الحرب الهجينة» التي تشمل العمليات الاستخباراتية والحرب السيبرانية والتأثير الإعلامي.
ومع امتلاك الشرق الأوسط جزءاً كبيراً من احتياطيات الطاقة العالمية ومرور طرق التجارة الحيوية عبر مياهه، فإن أي تصعيد إضافي قد يترك آثاراً واسعة على أسواق الطاقة والاستقرار الدولي، فيما تحاول عدة دول إقليمية، من بينها تركيا ودول الخليج وقبرص، تجنب الانجرار المباشر إلى النزاع رغم تصاعد المخاطر.
ويخلص محللون إلى أن معركة الروايات قد تكون في بعض الأحيان بقدر أهمية المعارك العسكرية نفسها، في ظل بيئة إعلامية سريعة الانتشار يصعب فيها التمييز بين الوقائع المؤكدة والاتهامات غير المثبتة.

