كشفت دراسة علمية حديثة أُنجزت في المغرب عن معطيات مقلقة تتعلق بواقع استخدام المبيدات الزراعية بين الفلاحين، حيث تبين أن الغالبية الساحقة منهم تفتقر إلى المعرفة الأساسية المتعلقة بهذه المواد، رغم إدراكهم العام لمخاطرها الصحية والبيئية، في وقت تؤكد فيه النتائج، المنشورة في مجلة “نيتشر“، أن تغيير السلوك لا يرتبط فقط بالمعرفة، بل يتأثر بشكل أكبر بالمواقف والاتجاهات النفسية للفلاحين تجاه السلامة، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام السياسات العمومية الرامية إلى الحد من المخاطر المرتبطة بالمبيدات وتحسين شروط السلامة المهنية في القطاع الزراعي.
وأظهرت الدراسة، التي شملت 314 عاملاً زراعياً في سبع مناطق فلاحية رئيسية، أن 86.3 في المائة من المشاركين غير قادرين على تسمية المبيدات التي يستخدمونها، وهو مؤشر واضح على ضعف المعرفة التقنية المرتبطة بهذه المواد، في حين لم تتجاوز نسبة الذين يمتلكون معرفة جيدة بقواعد السلامة 33.3 في المائة فقط، ما يعكس فجوة كبيرة بين الاستخدام اليومي للمبيدات ومستوى الإلمام بخصائصها ومخاطرها.
ورغم هذا الضعف المعرفي، كشفت النتائج عن وجود إدراك عام لدى الفلاحين بخطورة المبيدات، حيث أظهر العديد منهم وعياً بالمخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بها، غير أن هذا الإدراك ظل محدوداً وغير كافٍ لدفعهم نحو تبني ممارسات آمنة بشكل منتظم، وهو ما تؤكده المؤشرات المتعلقة بسلوكيات الاستخدام، التي ظلت في حدود متوسطة من حيث الالتزام بقواعد السلامة.
الخصائص الديمغرافية للدراسة
وأبرزت الدراسة أن العامل الأكثر تأثيراً في تبني الممارسات الآمنة ليس مستوى المعرفة، بل المواقف والاتجاهات تجاه السلامة، إذ تبين أن الفلاحين الذين يمتلكون مواقف إيجابية تجاه الوقاية هم الأكثر التزاماً باستخدام وسائل الحماية واحترام قواعد التعامل مع المبيدات، حيث سجلت هذه العلاقة أقوى تأثير مباشر ضمن العوامل المدروسة. كما أظهرت النتائج أن إدراك المخاطر الصحية يلعب دوراً مهماً لكنه أقل تأثيراً مقارنة بالمواقف، ما يشير إلى أن الوعي بالمخاطر وحده لا يكفي لتغيير السلوك.
وفي تفاصيل الخصائص الديموغرافية، أوضحت الدراسة أن متوسط عمر المشاركين يبلغ 40 سنة، مع هيمنة الذكور بنسبة 64.3 في المائة، بينما يعاني 74.2 في المائة منهم من الأمية أو مستوى تعليمي ابتدائي فقط، وهو ما يفسر جزئياً ضعف المعرفة المرتبط بالمبيدات. كما تبين أن أكثر من نصف المشاركين، بنسبة 57.6 في المائة، لم يتلقوا أي تكوين أو تدريب في مجال استخدام المبيدات، ما يعزز من احتمالات التعرض لمخاطر صحية نتيجة الاستخدام غير الآمن.
وعلى مستوى الممارسات اليومية، كشفت النتائج عن التزام متوسط بإجراءات السلامة، حيث أظهر الفلاحون درجة معتدلة من احترام الجرعات الموصى بها واستخدام معدات الحماية الشخصية، إضافة إلى ممارسات مقبولة نسبياً فيما يتعلق بتخزين المبيدات والنظافة بعد استخدامها. غير أن الدراسة سجلت تناقضاً بين التصريحات والسلوك الفعلي، خاصة فيما يتعلق بالتخلص من عبوات المبيدات، حيث تبين من الملاحظات الميدانية أن العديد من هذه العبوات تُخزن بالقرب من المنازل أو في أماكن غير آمنة.
ارتفاع المخاوف حول سلامة الغذاء
كما سلطت الدراسة الضوء على تنوع المواد الكيميائية المستخدمة، بما في ذلك مبيدات تنتمي إلى فئات عالية الخطورة، وبعضها مصنف كمحتمل التسبب في السرطان أو محظور في دول أخرى، ومع ذلك لا يزال يُستخدم في السياق المحلي، سواء عبر السوق القانونية أو من خلال قنوات غير رسمية، ما يزيد من تعقيد الوضع الصحي والبيئي المرتبط بالقطاع الزراعي.
وفيما يتعلق بالإدراك الصحي، أظهرت النتائج أن الفلاحين يقللون من تقدير بعض المخاطر، خاصة تلك المرتبطة بالصحة النفسية مثل القلق واضطرابات النوم، حيث سجلت هذه الجوانب أدنى مستويات الإدراك، في حين كانت المخاوف المتعلقة بسلامة الغذاء هي الأعلى، وهو ما يعكس تركيزاً أكبر على تأثير المبيدات على المستهلكين مقارنة بتأثيرها المباشر على العاملين أنفسهم.
وأبرز التحليل الإحصائي أن المستوى التعليمي يعد العامل الأكثر تأثيراً على جميع الجوانب المدروسة، بما في ذلك المعرفة والمواقف والإدراك والممارسات، حيث يرتبط التعليم بشكل إيجابي بتحسن فهم المخاطر واعتماد سلوكيات أكثر أماناً. كما أظهرت النتائج أن التكوين المهني يعزز المعرفة بشكل كبير، لكنه لا ينعكس بالضرورة على تغيير السلوك، ما يكشف عن فجوة بين التعلم النظري والتطبيق العملي.
ظاهرة التطبيع مع الخطر
في المقابل، تبين أن التقدم في العمر يرتبط بانخفاض في مستويات المعرفة والمواقف الإيجابية والممارسات الآمنة، وهو ما فُسر بظاهرة “التطبيع مع الخطر”، حيث يؤدي التعرض الطويل للمبيدات إلى تقليل الإحساس بالمخاطر، بينما أظهرت الخبرة الزراعية تأثيراً مزدوجاً، إذ ساهمت في تحسين بعض الممارسات، لكنها لم تعزز المعرفة أو إدراك المخاطر بشكل كافٍ.
ومن اللافت أيضاً أن الدراسة كشفت عن استعداد كبير لدى الفلاحين للمشاركة في برامج المراقبة البيولوجية، حيث أبدى 93 في المائة منهم رغبتهم في الانخراط في مبادرات تهدف إلى قياس مستويات التعرض الداخلي للمبيدات، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه لتطوير استراتيجيات وقائية قائمة على تتبع الحالة الصحية للعاملين في القطاع.
وعلى مستوى السياق العام، أكدت الدراسة أن المغرب يشهد استخداماً مكثفاً للمبيدات في ظل اعتماد كبير على الزراعة كمصدر رئيسي للتشغيل، حيث يشغل القطاع حوالي 40 في المائة من اليد العاملة، مع استهلاك سنوي يُقدر بنحو 13,697 طناً من المواد الفعالة، ما يجعله من بين أكبر المستهلكين في إفريقيا، وهو ما يفاقم من أهمية معالجة المخاطر المرتبطة بهذه المواد.
2000 حالة تسمم حاد
كما أشارت المعطيات إلى وجود سوق موازية للمبيدات تمثل نحو 15 في المائة من حجم التداول، إلى جانب تسجيل أكثر من ألفي حالة تسمم حاد، نصفها مرتبط بمواد عالية أو متوسطة الخطورة، وهو ما يعكس ضعف الرقابة وصعوبة التحكم في استخدام هذه المنتجات على أرض الواقع.
وانتهت الدراسة إلى أن تحسين المعرفة وحده لا يكفي لتغيير سلوك الفلاحين، داعية إلى تبني مقاربات شمولية تركز على تعديل المواقف وتعزيز إدراك المخاطر، إلى جانب تطوير برامج تدريبية تراعي الخصوصيات المحلية ومستوى التعليم، وتعتمد على أساليب تفاعلية وتجريبية بدل الاكتفاء بالتلقين النظري.
كما شددت على ضرورة إدماج عوامل اقتصادية واجتماعية في تصميم التدخلات، خاصة في ظل اعتماد الفلاحين الكبير على المبيدات لضمان الإنتاج والدخل، وهو ما يجعل أي تغيير في السلوك مرتبطاً بمدى توفر بدائل فعالة وآمنة من جهة، وقدرة الفلاحين على تحمل تكلفتها من جهة أخرى.
وفي ضوء هذه النتائج، دعت الدراسة إلى تطوير سياسات عمومية قائمة على الأدلة العلمية، تشمل تعزيز أنظمة المراقبة الصحية، وتوسيع برامج التكوين، وتحسين الوصول إلى معدات الحماية، إضافة إلى دعم البحث العلمي في مجال التأثيرات طويلة الأمد للتعرض للمبيدات، بما يساهم في حماية صحة العاملين وضمان استدامة القطاع الزراعي.
