شكلت سنة 2023 والتي نحن على بعد أيام معدودة لتوديعها، مرحلة مهمة في استمرار تنفيذ الثورة الاجتماعية التي اطلقها الملك محمد السادس سنة 2021، والتي تعد خطوة بارزة من جلالته ل ” تطويق الفقر” والتي أبدى المغاربة بخصوصها ارتياحا كبيرا لإطلاق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية، خلال الحفل الذي ترأسه الملك محمد السادس، وشمل توقيع الاتفاقيات الخاصة بتنفيذ المشروع، وهو ما اعتبره مراقبون تتويجا لعقدين من الإصلاحات المتلاحقة التي شهدتها البلاد.
المشروع الذي سيستفيد منه المزارعون والعاملون في الصناعة التقليدية والتجار، ومقدمو الخدمات المستقلون، يتوقع أن يتم تعميمه ليشمل كل المغاربة.
وذهبت بعض التقديرات إلى أن أكثر من 20 مليون مواطن سيستفيدون من خدماته، والتي تشمل التغطية الصحية والتعويض عن فقدان الشغل وعن البطالة.
– ثورة اجتماعية في عهد محمد السادس
بحسب بيانات رسمية، فإن المشروع الذي وُصف بـ “ثورة اجتماعية”، يتوجه أساسا إلى حماية الفئات الفقيرة من التقلبات الاقتصادية والمخاطر الصحية، مما يتطلب تأهيل “القطاع غير المهيكل” (غير الرسمي).
وساهمت الإصلاحات الاقتصادية التي أقدمت عليها المملكة، خلال العقد الماضي، في تخفيض القطاع غير المهيكل إلى مستوى أقل من 30 في المئة، بحسب معطيات صادرة عن بنك المغرب المركزي، بداية السنة الجارية.
– درس كورونا وتأهيل مشروع الحماية الاجتماعية بالمغرب
شكلت مرحلة وباء كرونا بالمغرب ، اهم درس تواجهه المملكة، لكن بتوجيهات وتتبع من طرف الملك محمد السادس، تمكن المغرب، من إبهار العالم، بطريقة ومنهجية من تجاوز الأزمة .
مرحلة كوفيد، ساهمت في تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض خلال سنتي 2021 و2022، ليشمل الفئات المعوزة المستفيدة من نظام المساعدة الطبية، وفئات المهنيين والعمال المستقلين، وصولا إلى البطالة .
– الحماية الاجتماعية من منظور مختصين
يرى مراقبون ان قطاع الصحي بالمغرب باعتباره اهم مرتكزات مشروع الحماية الاجتماعية بالمغرب، تواجهه تحديات و صعوبات ستكون مرتبطة بالموارد المالية والبشرية والبنيات التحتية، وأحيانا ستكون راجعة إلى غياب الحوكمة الجيدة وغياب منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وبحسب هؤلاء فإن “المشروع سيتطلب تغيير المراسيم التشريعية والقوانين الحالية، وتأهيل المنظومة الصحية التي تعاني من عدة تحديات على مستوى البنيات التحتية والموارد البشرية والتوزيع غير العادل للخدمات الصحية، سواء على المستوى المحلي، أو بين أقاليم الجهات.
وكان تقرير “برنامج الأمم المتحدة للتنمية حول الفقر المتعدد الأبعاد” للعام 2019، قد أشار إلى تدني الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، حيث لم يتجاوز سقف 5 في المئة، فيما يقدر عدد العاملين في القطاع الصحي المغربي بحوالي 32 موظف صحي لكل 10 آلاف نسمة، في حين وضعت الأمم المتحدة ضمن أهداف الحماية الاجتماعية الشاملة للعام 2030 كثافة العمالة الصحية كمؤشر إلزامي.
وفي الوقت الذي يعاني فيه حوالي13 في المائة من المغاربة الفقر الصحي، فإن البلاد تتوفر على ما يفوق 2000 مصحة عمومية، وقرابة 350 مصحة في القطاع الخاص، بحسب تقديرات حكومية، مما يجعل الخبراء يتوقعون أن تساهم خطة الحماية الاجتماعية في فتح الباب أمام الاستثمارات الصحية في القطاع الخاص.
وتؤدي هذه العوامل إلى رفع الجودة وتلبية الطلب، لا سيما أن تنفيذ هذه البرامج في أفق 2025 سيتطلب تخصيص مبلغ إجمالي سنوي يقدر بـ51 مليار درهم، منها 23 مليار سيتم تمويلها من الميزانية العامة للدولة.
مؤكدين أن اتفاق جميع أعضاء الأمم المتحدة، على أن تحقيق الحماية الاجتماعية الشاملة بحلول عام 2030، يعد من أهداف التنمية المستدامة، وسيرفع من فرص وإمكانيات حصول المغرب على دعم شركاء اقتصاديين دوليين لدعم برامج الحماية الاجتماعية”.
كما ان مشروع الحماية الاجتماعية من تفعيل للسجل الاجتماعي الموحد، وتعميم التعويضات العائلية خلال سنتي 2023 و2024، وتوسيع قاعدة المشتركين في أنظمة التقاعد، وكذا تعميم الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل سنة 2025، كل ذلك يشكل إنهاء للمشاكل الاجتماعية التي بقيت عالقة في المغرب طيلة عقدين من الزمن”.
-الركائز الاساسية لقانون المالية لسنة 2024.
ركزت الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة المتعلقة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2024، والتي انطلقت من أهداف البرنامج الحكومي 2021-2026، وعلى رأس تلك الأهداف المسطرة في البرنامج الحكومي مسألة تمويل برامج الحماية الاجتماعية، فقد حدد قانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية رقم 21-09، الصادر في أبريل سنة 2021 آليتين للتمويل، الأولى قائمة على الاشتراك بالنسبة للأشخاص القادرين على المساهمة في تمويل هذه الحماية الاجتماعية، والثانية قائمة على التضامن لفائدة الأشخاص غير القادرين على تحمل واجبات الاشتراك .
كماأن قانون الحماية الإجتماعية تطرق إلى بعض مصادر التمويل، والمتعلقة أساسا بالعائدات الضريبية المخصصة لتمويل الحماية الاجتماعية، والموارد المتأتية من إصلاح نظام المقاصة، والهبات والوصايا، إضافة الى جميع الموارد الأخرى التي يمكن أن ترصد بموجب نصوص تشريعية وتنظيمية خاصة، كما ان مختصين يعتبرون مسألة التمويل أهم تحدي لنجاح مشروع الحماية الاجتماعية، ذلك أن الرهان على اشتراكات المواطنين وكذا الرهان على تحويل ميزانية صندوق المقاصة، قد يصطدم بتعقيدات واقعية صعبة.
-إشكالية التمويل تصعب مهمة تعميم الحماية الإجتماعية
وفي علاقة بإشكالية التمويل،يرى باحثون إن الرهان الأول يفترض الإقبال التلقائي للمواطنين المزاولين لأعمال حرة على الانخراط في صندوق الضمان الاجتماعي وأداء واجب الاشتراك، المتفاوت حسب الفئات المهنية، كما حددته النصوص التنظيمية، أما الرهان الثاني فيرتبط بإلغاء صندوق المقاصة وتحويل الميزانية المخصصة له لتمويل الحماية الاجتماعية، ولا سيما تقديم الدعم المباشر للفئات الاجتماعية الهشة، الذي يعتبر جزء من منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة.
-الجماعات الترابية وتنزيل ورش الحماية الإجتماعية
تشكل وظيفة الجماعات الترابية خلق التنمية بالأساس انطلاقا من سياسة القرب في تشخيص حاجيات المواطنين وتلبيتها، فبالإضافة الى مشاركتها للدولة في تنفيذ السياسات العمومية، وعلى رأسها السياسات العمومية الاجتماعية، فإنها أيضا عليها أن تسطر سياسات عمومية محلية انطلاقا من برامج العمل التي تضعها المجالس في بداية ولايتها.
وفي إطار مساهمة الجماعات الترابية في مجال الحماية الاجتماعية، يمكن أن تتخذ هذه المساهمة صورتين الأولى مباشرة تتجلى في مساهمة الجماعات الترابية بشكل مباشر في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وصورة غير مباشرة من خلال مساهمة الجماعات الترابية في إقامة المنشآت الصحية والتعليمية والنقل المدرسي وغيره من الخدمات العمومية، ذلك أن هذه الخدمات من شأنها مساعدة الأسرة وحمايتها من مخاطر الفقر والهشاشة، وهو الهدف الأسمى لمنظومة الحماية الاجتماعية، غير ان أن الاشكال الرئيسي الذي يحول دون قيام الجماعات الترابية بممارسة اختصاصاتها كاملة وبشكل فعال، هو ضعف الحكامة وقلة الوسائل البشرية، علاوة على ضعف المداخيل المالية.
-مقترحات يمكن اخذها بعين الاعتبار بشان الحماية الإجتماعية
يؤكد متخصصين في السياسات الاجتماعية بالمغرب، أنه لا يمكن من الان الحديث عن تقييم شامل ونهائي لمدى نجاح الدولة في تنفيذ وتنزيل ورش ومشروع الحماية الاجتماعية. لكون الإطار الزمني المحدد لهذا المشروع لم ينته بعد، والمحدد من سنة 2021 الى غاية سنة 2026، كما هو واضح في قانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية وفي البرنامج الحكومي.
وهناك بعض المقترحات التي يمكن الادلاء بها لأجل تطوير المنظومة الحالية للحماية الاجتماعية ولأجل الإسراع في تنفيدها لابد من الإسراع في إصدار النصوص التطبيقية والتقيد بالبرمجة الزمنية المحددة، وتعديل معايير وشروط التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد للاستفادة من الدعم الاجتماعي الذي تقدمه الدولة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من منح الشيخوخة، وإدراج الحماية من البطالة ضمن مشمولات الحماية الاجتماعية، والإصلاح الشامل للمنظومة الصحية إلى جانب تعزيز الدور الرقابي لجهاز “مفتشية الشغل” ومنحه صلاحيات واسعة.
-إشادة دولية بالورش الملكي
تناولت كبريات وسائل الإعلام الدولية، موضوع الورش الملكي للحماية الاجتماعية بالمغرب، معتبرة إياه انه لبنة أساسية ستمكن من وضع المملكة المغربية في مصاف الدول الكبرى اجتماعياً واقتصاديا .
ومن بين اهم الإشادات بالورش الملكي ، ما عبر عنه رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، لمجهودات الملك محمد السادس من أجل تعميم الحماية الاجتماعية، وكذا ريادة والتزام جلالته لفائدة النهوض بظروف عيش المغاربة.
وقال السيد بانغا في تصريح للصحافة على هامش الاستقبال الذي حظي به إلى جانب المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من طرف جلالة الملك “أشيد بجهود جلالة الملك من أجل النهوض بالحماية الاجتماعية بالمملكة”.

