انتقدت صحيفة “لوموند دبلوماتيك: الفرنسية، في افتتاحية عددها الشهري الصادر في شتنبر، التواطؤ العربي مع حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ ما يقرب من عامين، حيث تجاوز عدد الضحايا 70 ألف قتيل معظمهم من النساء والأطفال. وأشارت الصحيفة إلى أن العواصم العربية لم تُطلق أي مبادرة دبلوماسية كبرى أو تهديد بعقوبات على تل أبيب أو داعميها، على عكس ما حدث عام 1973 حين استُخدم النفط كورقة ضغط.
وكتبت “لوموند دبلوماتيك” في افتتاحية من توقيع أكرم بلقايد، أن “الجمود العربي تفوح منه رائحة الميثان”، في إشارة ليس فقط إلى صفقات الغاز الضخمة بين القاهرة وتل أبيب، وإنما أيضا إلى حالة الخوف العربي الرسمي وما يمكن أن تفرزه من روائح كريهة.
وفي ما يلي افتتاحية الصحيفة الفرنسية
لم تتخذ أيٌّ منها أدنى مبادرة دبلوماسية كبرى لمنع إعادة احتلال القطاع أو لوقف الطوفان الإسرائيلي من النار والفولاذ الذي يعانيه منذ ما يقرب من عامين. وعلى الرغم من الخسائر البشرية المرعبة (70 ألف قتيل، 70٪ منهم من النساء والأطفال وفقًا للتقديرات) والمجاعة التي تذكّر بأسوأ أنواع الحصار في العصور الوسطى، فلا توجد عاصمة واحدة في المغرب أو المشرق العربي تطالب بفرض عقوبات على تل أبيب، أو تهدد شركاءها الغربيين بإجراءات انتقامية جراء دعمهم الثابت لبنيامين نتنياهو وحكومته.
وعلى عكس ما حدث عام 1973 خلال حرب أكتوبر، لا تحاول منظمة الدول العربية المصدّرة للبترول (OPAEC) إقناع المنتجين الآخرين بتقييد شحنات الذهب الأسود، حتى تضطر واشنطن إلى الضغط على حليفتها. وتُجسّد بعض الأحداث هذا التغيّر في العصر بشكل واضح: فبينما تستمر الأسلحة الأميركية في التدفق على إسرائيل ويصوّت الكونغرس على منحها المزيد من المساعدات المالية، توقفت المدمرة الأميركية “يو إس إس فورست شيرمان” بهدوء في الجزائر في مايو الماضي.
بعد إطلاق سراحه مؤخرًا إثر واحد وأربعين عامًا من الاعتقال في فرنسا، وجّه الناشط الشيوعي جورج إبراهيم عبد الله انتقاداته للشعوب بقدر ما انتقد قادتها، إن لم يكن أكثر. وقال لدى وصوله إلى بيروت: “أطفال فلسطين يموتون جوعًا. إنها وصمة عار على التاريخ. وصمة عار على الجماهير العربية، بل وأكثر منها على الأنظمة. نحن نعرف الأنظمة. كم شهيدًا سقط في المظاهرات؟ أثناء محاولتهم عبور حدود غزة؟ لا أحد. لم يسقط أحد. الجميع يعتمد على شعب مصر، أكثر من أي طرف آخر.”
لكن القادة المصريين لا ينظرون إلى الموضوع بهذه الطريقة؛ فهم يعززون التعاون الاقتصادي مع تل أبيب بلا خجل. وبالنسبة إلى القاهرة، فإن قطع العلاقات الدبلوماسية أمر غير وارد، رغم أن العشرات من سكان غزة يموتون يوميًا. وبينما ينتشر نحو 40 ألف جندي مصري في شمال سيناء، فإن مهمتهم ليست تمهيد الطريق للمساعدات الإنسانية، بل منع تدفق اللاجئين إلى شبه الجزيرة.
ولو كانت له رائحة، لقيل إن رائحة غاز الميثان تفوح من هذا الجمود. ففي أوائل أغسطس، أعلنت شركة “نيوميد” الإسرائيلية عن توقيع عقد “تاريخي” بقيمة 35 مليار يورو لتزويد مصر بالغاز الطبيعي المستخرج من حقل ليفياثان البحري ابتداءً من عام 2026. وتمثل الكميات المعنية – 135 مليار متر مكعب على مدى خمسة عشر عامًا – ما يعادل 20% من الاستهلاك السنوي للبلاد. ومنذ عام 2019، مع توقيع عقد أولي لشراء 60 مليار متر مكعب، أقرت القاهرة بأن أمنها الطاقي يعتمد على جارتها. وهذا يفسر على الأرجح سبب منع قوات الشرطة المصرية بالقوة المشاركين في “المسيرة العالمية إلى غزة” من دخول سيناء في يونيو الماضي.
مثال آخر: طبّعت الإمارات العربية المتحدة علاقاتها مع إسرائيل عام 2020 في إطار “اتفاقيات أبراهام”. وفي يناير الماضي، أعلنت مجموعة “إيدج”، إحدى أبرز شركات صناعة الدفاع في الإمارات، أنها ستستثمر 10 ملايين دولار للاستحواذ على حصة 30% في شركة “ثيرد آي سيستمز” الإسرائيلية، المتخصصة في تكنولوجيا كشف الطائرات المسيّرة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي مصر والإمارات والمغرب – وهو طرف آخر في “اتفاقيات أبراهام” – يُنظر إلى هذا التطبيع مع إسرائيل على أنه تجارة مربحة. وهو ما يكفي لإعطاء المثال لسوريا والمملكة العربية السعودية، اللتين تكثفان بدورهما اتصالاتهما مع عدو الفلسطينيين.

