قالت صحيفة “دي ستاندارد” البلجيكية إن الاستعدادات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030 تساهم في تسريع عمليات هدم واسعة لأحياء سكنية في عدد من المدن المغربية، ما أدى، وفق التحقيق، إلى فقدان آلاف الأسر مساكنها وسط شكاوى من عدم كفاية التعويضات وغياب بدائل سكنية مماثلة.
وأوردت الصحيفة، في تحقيق نشرته في 13 غشت، أن مئات المباني هُدمت خلال السنة الأخيرة في الرباط لإفساح المجال أمام شوارع وفنادق ومشاريع عمرانية جديدة، مشيرة إلى أن تنظيم مونديال 2030، الذي يستضيفه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، أعطى زخماً إضافياً لوتيرة إعادة تهيئة المدن.
وبحسب التحقيق، فقد أكثر من 10 آلاف أسرة في الرباط مساكنها جراء عمليات الهدم منذ نهاية 2024، وفق ما نقلته الصحيفة عن المحامي والعضو في المجلس الجماعي فريد مهداوي، الذي قال إن غالبية المباني المعنية ليست بالضرورة منازل متداعية أو قديمة. وأضاف أن التعويض المعتمد بالنسبة إلى المنازل المسجلة يبلغ 13 ألف درهم للمتر المربع، في حين يرى سكان أن هذا المبلغ يقل بكثير عن القيمة الفعلية لعقاراتهم.
مشروع «الطريق الملكية» في الدار البيضاء
وفي الدار البيضاء، ركز التحقيق على مشروع «الطريق الملكية»، وهو محور يمتد لأكثر من كيلومتر، يفترض أن تحيط به فنادق ومحلات تجارية ونوافير، ويربط مسجد الحسن الثاني بمركز المدينة الإداري.
وتقول «دي ستاندارد» إنها حللت صوراً للأقمار الصناعية بين غشت 2025 وماي 2026، وخلصت إلى هدم أكثر من 15 هكتاراً في المنطقة التي يشملها المشروع. وبالاستناد إلى أرقام حكومية رسمية بشأن الكثافة السكانية، قدرت الصحيفة عدد الأسر المتضررة بأكثر من 4 آلاف أسرة، مشيرة إلى أن بعض السكان مُنحوا مهلاً لا تتجاوز ثلاثة أيام أو أسبوعاً أو عشرة أيام لمغادرة مساكنهم.
وتقول الصحيفة إن السلطات تقترح على بعض الأسر الانتقال إلى مناطق سكنية جديدة، من بينها حي النسيم، حيث يفترض أن تتوفر نحو 16 ألفاً و550 شقة، إضافة إلى منح الأسر المتضررة 9 آلاف درهم لتغطية كلفة الإيجار لمدة ستة أشهر.
غير أن محامين ونشطاء نقلت عنهم الصحيفة يرون أن البدائل المقترحة لا تناسب القدرة المالية لكثير من الأسر، خصوصاً أن بعض المساكن الاجتماعية تقع على مسافة تصل إلى نحو 30 كيلومتراً من وسط الدار البيضاء، فيما يتعين على المستفيدين دفع مبالغ لاقتناء الشقق، إلى جانب رسوم إضافية.
وفي الدار البيضاء أيضاً، تتراوح التعويضات، بحسب التحقيق، حول 1400 درهم للمتر المربع في بعض الحالات، بينما تقدر القيمة السوقية للعقارات المتضررة، وفق ما نقلته الصحيفة عن محامية وعضو بحزب التقدم والاشتراكية، بما بين 10 آلاف و20 ألف درهم للمتر المربع.
وقالت المحامية إن عدداً من المالكين يرفضون التعويضات المقترحة ويلجؤون إلى القضاء للمطالبة بما يعتبرونه تعويضاً عادلاً، مشيرة كذلك إلى وجود أسر، من بينها أسر تعيلها أمهات بمفردهن، أو أسر تقطن في مساكن مصنفة ضمن المباني الآيلة للسقوط، لا تستفيد، بحسبها، من أنظمة التعويض.
في المقابل، نقلت «دي ستاندارد» عن كنزة الشرايبي، رئيسة مقاطعة سيدي بليوط بالدار البيضاء، أن مشروع «الطريق الملكية» لا ينبغي اختزاله في مشروع لإعادة تهيئة المجال الحضري، موضحة أن عمليات الهدم ترتبط أيضاً باعتبارات تتعلق بالسلامة العامة.
وقالت، وفق الصحيفة، إن المباني المعنية خضعت لفحوص من اللجان المختصة، وإن الخبرات خلصت إلى أنها تشكل خطراً على السكان بسبب احتمال انهيارها. وقدرت عدد الأسر التي تقطن حالياً في مبانٍ مصنفة خطرة بنحو 1910 أسر. كما أوضحت أن المقاطعة لا تملك صلاحية اتخاذ قرارات نزع الملكية أو تحديد التعويضات، وأن هذه المهام تتولاها لجنة تضم عدة مؤسسات وهيئات حكومية.
مخاوف من آثار اجتماعية وعمرانية
ونقلت الصحيفة عن الباحث والأنثروبولوجي ستيفانو بورتيللي، من جامعة مدريد الوطنية للتعليم عن بعد، أن سنوات الانتظار في ظل احتمال هدم الأحياء تؤدي في حد ذاتها إلى تدهورها، إذ يتوقف المالكون عن الاستثمار في مساكنهم وتصبح القروض المصرفية أكثر صعوبة، قبل أن يُقدم الهدم لاحقاً باعتباره الحل الوحيد.
ويرى بورتيللي أن مونديال 2030 ليس العامل الوحيد وراء عمليات الهدم، إذ تتداخل معها تحولات سوق العقار والاستثمارات الدولية في المجال العقاري، معتبراً أن تسارع المشاريع يمكن أن يؤدي إلى تداخل أكبر بين المصالح السياسية والقطاع العقاري.
كما حذر الكاتب ووزير الثقافة المغربي الأسبق محمد الأشعري من أن هدم الأحياء التاريخية لا يعني فقط إزالة المباني، بل يؤدي أيضاً إلى اختفاء ما وصفه بـ«الذاكرة الجماعية». وقال إن المشكلة لا تكمن في مبدأ التطوير الحضري، وإنما في الطريقة التي تفرض بها التغييرات على السكان من دون إشراكهم أو إطلاعهم بشكل كافٍ.
وبحسب «دي ستاندارد»، طلبت الصحيفة تعليقات من البرلمان المغربي ووزارات الخارجية والداخلية والتواصل والتعمير والنيابة العامة، إضافة إلى جماعتي الرباط والدار البيضاء، لكنها قالت إن السلطات المعنية لم تكن قد ردت على أسئلتها عند نشر التحقيق.

