واجه المغرب احتمال موسم مناخي أكثر تقلباً خلال الأشهر المقبلة، مع اشتداد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ، التي تتوقع مراكز الأرصاد العالمية أن تتحول إلى حدث قوي جداً خلال خريف وشتاء 2026-2027، بما قد ينعكس على أنماط الحرارة والتساقطات في مناطق مختلفة من العالم.
وقالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن «إل نينيو» يتجه إلى مزيد من القوة، بعدما بدأ تأثيره يظهر في أنماط الطقس العالمية، محذرة من ارتفاع درجات الحرارة واضطراب أنظمة الأمطار. وتشير توقعات حديثة إلى احتمال يتجاوز 90 في المئة لأن يبلغ الحدث مستوى «قوياً جداً» خلال خريف وشتاء النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
وتذهب بعض التوقعات، بينها توقعات مكتب الأرصاد البريطاني، إلى إمكانية ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بأكثر من ثلاث درجات مئوية، وهو مستوى قد يجعل «إل نينيو» المرتقب من أقوى الأحداث المسجلة.
المغرب أكثر حساسية لاضطراب الأمطار
وتكتسي هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد جزء مهم من موارده المائية وإنتاجه الزراعي على التساقطات المطرية. وكانت المملكة قد خرجت خلال الموسم الماضي من سنوات طويلة من الجفاف، بعدما ساهمت أمطار غزيرة في تحسين وضعية السدود والموارد المائية.
لكن تحسن الوضع المائي لا يعني انتهاء المخاطر. فاشتداد «إل نينيو» قد يزيد من اضطراب أنماط الأمطار، فيما يبقى تأثير الظاهرة على المغرب أكثر تعقيداً من الاقتصار على توقع الجفاف أو الأمطار، بسبب تداخلها مع أنظمة مناخية أخرى في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.
الزراعة البعلية في دائرة الخطر
وتبرز الزراعة باعتبارها القطاع الأكثر تعرضاً لتقلبات التساقطات. فضعف الأمطار أو تأخرها خلال الموسم الزراعي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على الحبوب، ولا سيما القمح، الذي تعتمد مساحات واسعة من زراعته في المغرب على الأمطار.
ولا يعني «إل نينيو» بالضرورة عودة الجفاف إلى المغرب، كما لا يمكن استخدام الظاهرة وحدها للتنبؤ بحصيلة الموسم الزراعي. لكن قوة الحدث المرتقب ترفع مستوى عدم اليقين بالنسبة للمزارعين، خصوصاً بعد سنوات من الإجهاد المائي.
ويظهر حجم هذا التحدي في كون المغرب واجه خلال الشتاء الماضي حالة مناخية معاكسة تماماً في بعض مناطقه، إذ أدت أمطار غزيرة إلى فيضانات وإجلاء أكثر من 143 ألف شخص في مناطق شمال غربي البلاد، بينما أظهرت بيانات رسمية آنذاك أن التساقطات كانت أعلى بكثير من مستويات العام السابق والمتوسط التاريخي.
ويعكس ذلك أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بنقص المياه، وإنما أيضاً بتزايد احتمال التناوب بين فترات الجفاف والحرارة الشديدة من جهة، والأمطار الغزيرة والفيضانات من جهة أخرى، في ظل تغير المناخ وارتفاع حرارة البحر الأبيض المتوسط.
تحلية مياه البحر لتقليص الاعتماد على الأمطار
وفي مواجهة هذا الوضع، يواصل المغرب الاستثمار في تحلية مياه البحر ونقل المياه بين الأحواض، بهدف تقليص ارتباط الأمن المائي بالتساقطات. وتوفر هذه الاستثمارات هامشاً أكبر لحماية إمدادات مياه الشرب، لكنها لا تحل بالكامل مشكلة الزراعة التي تظل أكثر اعتماداً على انتظام الأمطار.
ومع اقتراب موسم الخريف والشتاء، ستتركز الأنظار في المغرب على تطور التساقطات وتوزيعها، أكثر من التركيز على كميتها الإجمالية فقط. فبالنسبة إلى بلد خرج لتوه من سنوات الجفاف، قد يكون التحدي الأكبر هو ما إذا كان «إل نينيو» سيعيد إنتاج نقص الأمطار، أم سيدفع إلى نمط أكثر تقلباً تتجاور فيه فترات الجفاف مع أمطار شديدة في فترات قصيرة.
ولا تزال التوقعات الموسمية غير كافية للجزم بما سيكون عليه الموسم المغربي، لكن اشتداد الظاهرة عالمياً يجعل مراقبة المؤشرات المناخية والاستعداد المبكر للزراعة والمياه والفيضان
ات والحرائق أكثر أهمية بالنسبة للمغرب خلال الأشهر المقبلة.

