يبدو أن سياسة الحصار الاقتصادي الذي فرضه المغرب على المدينتين المحتلتين، سبتة ومليلية، سواء من خلال المنع الكلي لأنشطة التهريب، آو من خلال امتصاص حركة الملاحة العالمية عبر ميناء طنجة المتوسط، أوصلت حكومة مدريد إلى البحث عن مخرج للأزمة الخانقة التي تعيشها المناطق المحتلة، فحسب الصحافة المحلية، قدم وزير الدولة الإسباني للسياسة الإقليمية، ألفريدو غونزاليس، أولى نتائج دراسة قامت بها وزارته.
تقترح على الحكومتين المحليتين لسبتة ومليلية إقامة “منطقة ازدهار مشتركة مع المغرب”، بعد أن فشلت محاولات اللعب على التبادل التجاري البحري مع الجزائر، مع الإشارة إلى أن سلطات سبتة ومليلية تطالب بالدمج في الاتحاد الأوروبي، والخروج من وضعية الحكم الذاتي.
وبات واضحا الآن أن حكومة مدريد، أدركت أخيرا أن حديث المملكة المغربية، عبر بوريطة وزير الخارجية، عن أن مغرب الأمس ليس هو مغرب اليوم، جيوسياسيا، واقتصاديا، وهو ما اعترف به اليوم وزير خارجية الجارة الشمالية حين اعترف بوجود أزمة مع المغرب، حين تحدث عن ضرورة السعي نحو “علاقة تتماشى مع متطلبات القرن الحادي والعشرين”، في رسالة واضحة من مدريد، تفيد فهمها وإدراكها للمتغيرات بالمنطقة.
وحين نتحدث عن المتغيرات فطبعا، على رأسها منعرج الاتفاق الثلاثي (المغرب- إسرائيل- أمريكا)، وما أحدثه من انقلاب في معادلات فرض الأمر الواقع، وهو ما انعكس طبيعيا على تحركات الدبلوماسية المغربية واتساع رقعة المناورات الممكنة، بل واللغة الجديدة التي تطلب الأمر وقتا طويلا من الإسبان لاستيعابها.
وفي نفس السياق، هناك رسائل متعددة ترسلها الرباط، على سبيل التذكير، وربما التنبيه، فرغم حديث الملك محمد السادس عن اسبانيا ورئيس حكومتها بشكل جيد، لازالت كريمة بنيعيش سفيرة المغرب بمدريد لم تلتحق بمنصبها، بعد أزمة بنبطوش التي أطاحت بأرانتشا غونزاليس لايا وزيرة خارجية اسبانيا السابقة، كما أن طلب خوسيه مانويل ألباريس، وزير الخارجية الجديد قدم طلبا لزيارة المغرب، تركه بوريطة دون رد لحد الان،
ومن جانب اخر، وردا على احتجاج اسبانيا على موضوع مزارع السمك التي أنشأتها المملكة المغربية بالجزر الجعفرية وجزر الكناري، قامت الرباط بإلغاء صفقة بارجة حربية اسبانية ( افانتي ) بقيمة 150 مليون دولار، كانت اسبانيا بدأت فعلا بميناء قاديس.
وطبعا لا يمكن الحديث، عن اسبانيا بمعزل عن الاتحاد الأوروبي في شموليته، فرغم تعيين يوسف العمراني سفيرا للمغرب لدى الإتحاد، إلا أنه لم يستقبل من الملك محمد السادس في مراسيم تسليم أوراق الاعتماد بحر هذا الأسبوع، وهذا الأمر طبعا رسالة واضحة وتذكير جدي، بأن المملكة المغربية، تريد علاقات واضحة خارج المناطق الرمادية، ولعل بيان خارجية ألمانيا (الدولة المؤثرة داخل الاتحاد) الداعم للحكم الذاتي، وكذلك الاختراق الدبلوماسي الذي قام به المغرب لأوروبا الشرقية، وسماع ارتداده بباريس، حيث قام الرئيس ماكرون ببرمجة اجتماع مع رؤساء دول تلك المنطقة، وكذلك الاتفاق الجديد مع بريطانيا، أدلة واضحة على أن المملكة المغربية رفعت إيقاع اللعب وتبحث جديا عن ملأ وسط الميدان.

