أعلنت دار الأزياء الإيطالية “جورجيو أرماني” وفاة مؤسسها العالمي جورجيو أرماني عن عمر ناهز 91 عاما، بعد أن حوّل فلسفة “الأناقة البسيطة” إلى إمبراطورية ضخمة تُقدّر قيمتها بعشرات المليارات.
وتوفي أرماني في منزله، لتطوى صفحة أحد أبرز أعلام الموضة في العالم. وكان غيابه عن أسبوع الموضة في ميلانو للمرة الأولى منذ عقود قد أثار القلق، إذ عزته الدار حينها إلى فترة نقاهة صحية. وكان يستعد هذا الشهر لإطلاق احتفالية كبرى بمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس داره.
حتى أيامه الأخيرة، ظلّ أرماني يدير مؤسسته بيديه، مفضلا عدم الخوض في مسألة الخلافة علنا، لكنه أنشأ مؤسسة خيرية لحماية شركاته بعد وفاته. ورغم ذلك، أوضح سابقا أن ليو ديل أوركو وابنة شقيقه سيلفانا أرماني سيواصلان المسيرة الإبداعية عبر خطوط “جورجيو أرماني”، و”إمبريو أرماني”، و”أرماني إكستشينج”.
من سترة وسروال إلى هوية عالمية
بدأت قصة أرماني بأفكار بسيطة: سترة خفيفة بلا بطانة، وسروال مريح، وألوان محايدة مستوحاة من المدن. منذ أواخر السبعينيات، فرض بهذا الأسلوب علامة فارقة جعلت الأزياء الإيطالية الجاهزة تتألق عالميا. صارت تصاميمه، التي تجمع بين الراحة والأناقة، بصمة مميزة امتدت على مدى خمسة عقود.
انتشرت بدلاته السوداء وفساتينه البراقة من وول ستريت إلى هوليوود، لتصبح رمزا للتميز والرقي بين المشاهير والنخبة.
إمبراطورية تتجاوز الموضة
لم يقتصر نفوذ دار أرماني على الملابس، بل امتد ليشمل الإكسسوارات، والعطور، ومستحضرات التجميل، والأثاث، والزهور، وحتى الشوكولاتة. عند وفاته، بلغت قيمة مجموعته أكثر من 10 مليارات دولار، ما جعله ضمن أغنى 200 شخصية على مستوى العالم وفق “فوربس”.
كما توسع نشاطه في عالم الضيافة، فامتلك سلسلة مطاعم وفنادق فاخرة أبرزها فندق أرماني بدبي عام 2009 وآخر في ميلانو عام 2010، إضافة إلى امتلاكه نادي كرة السلة الشهير “أوليمبيا ميلانو”.
مرآة لفلسفته الشخصية
كان أرماني بنفسه تجسيدا لرؤيته في “البساطة الراقية”: عيون زرقاء ثاقبة، شعر فضي، بشرة مسمرة، وملابس يومية بسيطة من الجينز والتيشيرت. حتى منازله جاءت انعكاسا لنهجه القائم على التفاصيل الدقيقة والذوق الهادئ.
كان يردد دائما: “أنا أصمّم لأناس حقيقيين، فالملابس التي لا تناسب الواقع بلا معنى”.
ورغم ابتسامته الهادئة، عُرف كقائد صارم حافظ على استقلاليته، إذ رفض بيع شركته أو الدخول في أي اندماج، ليبقى “ري جورجيو” أو “الملك جورج” كما يسميه الإيطاليون.
من بياشنسا إلى العالمية
وُلد أرماني في 11 يوليوز 1934 في مدينة بياشنسا شمال إيطاليا. حلم في بداياته بأن يصبح طبيبا، لكن عمله بالصدفة في تصميم واجهات العرض قاده إلى عالم الأزياء.
عام 1975، أسس مع شريكه سيرجيو غاليوني علامتهما “جورجيو أرماني” بعد أن باعا سيارتهما لتمويل المشروع. ومن هناك انطلقت رحلة غيرت ملامح الموضة، خصوصا بعد نجاح سترته الرياضية غير المبطنة.
في الثمانينيات، أحدثت بدلاته النسائية ذات الأكتاف العريضة ثورة في عالم أزياء المرأة العاملة، لتصبح رمزا لقوتها وحضورها.
شراكة مع السينما وأوسكار دائم
شكل فيلم “أميركان جيغولو” عام 1980 نقطة التحول الكبرى، بعد أن ارتدى الممثل ريتشارد غير تصاميمه. ومنذ ذلك الحين صمّم أرماني أزياء لأكثر من 200 فيلم، وحصل عام 2003 على نجمة في ممشى المشاهير في بيفرلي هيلز.
كانت سجاد الأوسكار الأحمر بمثابة منصة إضافية لعرض أعماله، حيث ارتدى كبار النجوم من بدلاته وفساتينه، بينهم شون بين وآنا هاثاواي.
أثر ممتد ما بعد الموضة
بحلول 2023، كانت مؤسسته توظف أكثر من 9000 شخص، نصفهم نساء في مناصب قيادية. كما دعم العديد من المبادرات الخيرية، خاصة حملات مكافحة الإيدز، وعُيّن سفيرا للنوايا الحسنة للأمم المتحدة عام 2002.
على الصعيد الشخصي، لم يتزوج ولم ينجب، لكنه ظل قريبا من عائلته وخاصة ابنة شقيقه روبرتا التي ربطته بعالم المشاهير. أما شريكه سيرجيو غاليوني، فتوفي عام 1985، لكنه بقي جزءا من ذاكرته ونجاحاته.
قال أرماني يوما: “أحب الأشياء التي تكبر بكرامة، لا تفقد قيمتها مع الزمن، بل تظل شاهدة على الكمال”.

