أكد حسن طارق، وسيط المملكة، أن التحولات العميقة التي تعرفها الإدارة المغربية اليوم لم تعد تقتصر على إصلاح المساطر أو تحديث الهياكل، بل تعكس انتقالا نوعيا في طبيعة العلاقة بين الإدارة والمواطن، مبرزا أن هذه التحولات يمكن قراءتها من خلال ثلاث صور أساسية هي “إدارة السياسات” و“إدارة المنصات” و“إدارة اللايقين”.
وخلال افتتاح الحلقة النقاشية التي نظمتها مؤسسة وسيط المملكة بالرباط بشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية وبمشاركة حركة ضمير، أوضح حسن طارق أن الطلب المتزايد على الوساطة لم يعد يقتصر على الشكايات الفردية التقليدية، بل بات يمتد إلى مساءلة السياسات العمومية نفسها، في ما وصفه بانتقال من “وساطة حول القرارات” إلى “وساطة حول الخيارات العمومية”.
كما توقف عند ما سماه “إدارة المنصات”، في إشارة إلى التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة، وما يطرحه من تحديات جديدة تتعلق بالشرخ الرقمي واحتمالات تحيز الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تدبير الخدمات العمومية، وهو ما يفرض – بحسب قوله – يقظة مؤسساتية لضمان المساواة في الولوج إلى الخدمة العمومية.
أما الصورة الثالثة التي أبرزها وسيط المملكة فتتعلق بما وصفه بـ “إدارة اللايقين”، حيث تواجه الإدارة اليوم ضغوطا متزايدة للاستجابة السريعة للقرارات الحكومية في سياقات معقدة ومتغيرة، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على ضمانات دولة القانون واحترام حقوق المرتفقين.
وشدد حسن طارق على أن المعرفة تشكل شرطا أساسيا لتمكين المؤسسة من الانتقال من معالجة التظلمات الفردية إلى تفكيك الاختلالات البنيوية في السياسات العمومية، مؤكدا أن الإنصاف الذي تسعى إليه مؤسسة الوسيط ليس مجرد تطبيق حرفي للقانون، بل هو “عدالة سياقية” تراعي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية التي تحيط بالقرار الإداري.
وتواصلت أشغال اللقاء بمداخلات فكرية وأكاديمية، من بينها كلمة محمد بنموسى، رئيس حركة ضمير، الذي توقف عند ما أسماه “كلفة اللغة الإدارية”، داعيا إلى إعادة التفكير في منهجية اشتغال المرفق العمومي وتبسيط طرق التواصل مع المواطنين، بما يجعل الإدارة أكثر قربا ووضوحا. كما شهدت الجلسة العلمية، التي سيرتها مريم الهواري، مساهمات أكاديمية لكل من عبد الحافظ أدمينو وجواد النوحي ورضوان اعميمي، حيث قدموا قراءات متعددة حول تحولات الإصلاح الإداري ورهانات النموذج المرفقي الجديد في المغرب.

