كشفت مجلة “ملفات” المتخصصة في التحقيقات الصحفية الاستقصائية، في عددها الأخير لشهر سبتمبر 2026، عن صفقات لتزويد محطات الكهرباء بالفيول بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 3.8 مليار درهم، آلت إلى شركتي “إفريقيا” و”بيتروم”، وذلك في وقت لا يزال فيه مشروع البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور غرب المتوسط معطلاً.
وتعيد هذه المعطيات، بحسب التحقيق الذي أنجزه فريق التحقيق بالمجلة برئاسة الصحفي الاستقصائي يوسف الحيرش، طرح أسئلة حول المستفيدين من استمرار اعتماد المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب على الفيول، في ظل تأخر مشروع غازي يفترض أن يوفر بديلاً تدريجياً للوقود السائل، كما تثير مجدداً شبهات بشأن تضارب المصالح وتداخل النفوذ الاقتصادي والسياسي في قطاع المحروقات.
وبحسب الأرقام التي أوردتها “ملفات”، حصلت شركة “إفريقيا” على صفقة بقيمة 2.443 مليار درهم في ديسمبر 2024 لتزويد محطتي المحمدية وطانطان بالفيول، بينما حازت شركة “بيتروم” في ديسمبر 2025 ثلاث صفقات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 1.331 مليار درهم لتزويد محطات المحمدية وطانطان والقنيطرة والعيون. وفي فبراير 2026، حصلت “إفريقيا” على صفقة جديدة بقيمة نحو 52.6 مليون درهم لتزويد محطة تطوان بالفيول الخاص.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة سياسية واقتصادية، وفق التحقيق، بالنظر إلى هوية الشركتين. فـ”إفريقيا” تابعة لمجموعة “أكوا” التي يرأسها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، فيما تنتمي “بيتروم” إلى مجموعة تديرها عائلة بوعيدة، التي تنتمي إليها مباركة بوعيدة، رئيسة جهة كلميم واد نون وعضوة حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة.
مشروع غاز بمليار دولار
في المقابل، يسلط التحقيق الضوء على التعثر المفاجئ لمشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور غرب المتوسط وشبكة الأنابيب المرتبطة بها، وهو المشروع الذي كان يفترض أن يشكل إحدى ركائز استراتيجية جديدة لتطوير البنية الغازية بالمغرب وتقليص الاعتماد على الفيول.
وكان الملك محمد السادس قد ترأس في 28 يناير 2026 اجتماع عمل خصص لتتبع تقدم مركب “الناظور غرب المتوسط” وتطوير مشروع محطة الغاز وشبكة الأنابيب، قبل أن تعلن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، في 2 فبراير، تعليق مسطرتي المنافسة المتعلقتين بالمحطة وخط الأنابيب، قبل ساعات من الموعد المحدد لفتح الأظرفة.
وبررت الوزارة قرارها بوجود “معطيات وفرضيات جديدة مرتبطة بالمشروع”، من دون الكشف عن طبيعة هذه المعطيات.
ويورد التحقيق ما سبق أن جاء في وكالة رويترز التي أفادت، استناداً إلى وثيقة رسمية ومصدر مطلع على الملف، بأن وزارة الاقتصاد والمالية كانت وراء الاعتراض الذي أوقف مسار مشروع خط أنابيب الغاز، بسبب تحفظات تتعلق بإطلاق المنافسة قبل استكمال الموافقات المطلوبة لإنجاز المشروع في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إضافة إلى مسائل مرتبطة بتوزيع المخاطر والاستدامة المالية للمشروع.
وتقدر قيمة المشروع بنحو مليار دولار، وكان يتضمن إنشاء محطة لإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال في الناظور وربطها بخط أنابيب المغرب العربي-أوروبا، ثم مد الشبكة نحو المحمدية والقنيطرة.
تضارب المصالح في قلب التحقيق
ويربط تحقيق “ملفات” بين تعثر مشروع الغاز واستمرار صفقات الفيول، معتبراً أن استمرار تأخر البنية الغازية يعني استمرار حاجة محطات الكهرباء إلى الوقود السائل، وبالتالي استمرار السوق أمام الشركات التي تستورد وتورد الفيول.
ولا يقدم التحقيق دليلاً قضائياً يثبت أن رئيس الحكومة أو أي مسؤول حكومي تدخل مباشرة لتعطيل مشروع الناظور لصالح شركات معينة، كما أن تزامن تعليق المشروع مع استمرار صفقات الفيول لا يثبت، في حد ذاته، وجود علاقة سببية بين الأمرين.
لكن التحقيق يطرح شبهة تضارب المصالح انطلاقاً من اجتماع ثلاثة عناصر: مشروع استراتيجي يفترض أن يقلل الاعتماد على الفيول، وتعطله في مرحلة حاسمة، واستمرار إسناد صفقات بمليارات الدراهم إلى شركات مرتبطة بفاعلين اقتصاديين وسياسيين نافذين.
ويضع التحقيق في هذا السياق الوضعية الخاصة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي يقود الحكومة بينما ترتبط به مجموعة “أكوا”، إحدى أبرز المجموعات العاملة في سوق المحروقات، فضلاً عن حضور شخصيات سياسية من عائلة بوعيدة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، في مقدمتها مباركة بوعيدة.
من يستفيد من استمرار الوضع القائم؟
ويطرح التحقيق السؤال حول الكلفة التي يتحملها القطاع العام نتيجة استمرار الاعتماد على الفيول، في وقت كان يفترض فيه أن يوفر مشروع الناظور بنية تحتية للغاز تسمح بتنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الوقود السائل.
وبذلك، لا يقدم التحقيق أرقام الصفقات باعتبارها دليلاً منفرداً على وجود استغلال للنفوذ، وإنما يضعها في مواجهة مسار مشروع استراتيجي ظل معطلاً، ليثير سؤالاً حول من يستفيد اقتصادياً من استمرار الوضع القائم، ومن يتحمل مالياً كلفة تأخر البديل الغازي.
وتبقى الإجابة عن شبهة تضارب المصالح مرتبطة بكشف المسار الكامل لقرار تعليق المشروع، والجهات التي اقترحته وصاغته، والمراسلات والوثائق التي سبقته، وما إذا كانت هناك أي صلة مباشرة بين أصحاب المصالح التجارية والقرارات العمومية المتعلقة بمستقبل البنية الغازية للمغرب.

