أقر الملك محمد السادس، الجمعة، باستمرار الاختلالات والتأخير في تنفيذ ورش اللامركزية واللاتمركز الإداري بالمغرب، داعيا إلى نقل فعلي للصلاحيات والموارد من السلطة المركزية إلى الجهات، في تصريحات تكتسب دلالة سياسية خاصة في ظل التطورات التي يشهدها ملف الصحراء، والجهود المغربية الرامية إلى الدفع بمقترح الحكم الذاتي لتسوية النزاع.
وقال الملك، في خطاب أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، إن التأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين.
وشدد على أنه “لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل” في التطبيق الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، مطالباً بنقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.
كما دعا إلى إزالة العراقيل التي تعيق عمل المؤسسات الجهوية، وتوضيح اختصاصاتها، وتعزيز مواردها، وإرساء آليات للتنسيق والتعاقد بينها وبين الدولة، بما يمكنها من اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع التنموية.
وتأتي هذه الدعوة بعد سنوات من إطلاق مشروع الجهوية المتقدمة، الذي أقره دستور 2011، واعتماد الميثاق الوطني للاتمركز الإداري سنة 2018، في اعتراف ضمني بأن الإصلاحات القانونية والمؤسساتية لم تترجم بعد بصورة كاملة إلى نقل فعلي للسلطة والموارد إلى المستوى الترابي.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ضوء التطورات الأممية المتعلقة بنزاع الصحراء، خصوصا قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي دعا إلى إجراء مفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، معتبرا أن الحكم الذاتي الحقيقي قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، في إطار تسوية سياسية متوافق عليها تكفل تقرير المصير.
ورغم أن الخطاب الملكي لم يربط صراحة بين إصلاح اللامركزية ومقترح الحكم الذاتي، فإن تطوير نموذج الجهوية المتقدمة يمكن أن يحمل دلالات تتجاوز الإصلاح الإداري الداخلي، بالنظر إلى سعي المغرب لإقناع المجتمع الدولي بجدية تصوره لمنح الصحراء صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية.
فالتطبيق الفعلي للامركزية، بما يشمله من نقل للسلطات والموارد المالية وتعزيز استقلالية القرار الجهوي، قد يشكل اختبارا عمليا لقدرة المؤسسات المغربية على استيعاب نموذج أكثر تقدما للحكم الترابي.
كما يمكن أن يقدم إشارات إيجابية إلى الأطراف الدولية المعنية بالعملية السياسية، بشأن قابلية مقترح الحكم الذاتي للتنفيذ، خصوصا في ما يتعلق بوضوح الاختصاصات والضمانات المؤسساتية والمالية.
غير أن الجهوية المتقدمة، بوصفها نظاما إداريا يشمل مختلف مناطق المغرب، تختلف قانونيا وسياسيا عن الحكم الذاتي المقترح للصحراء، الذي يفترض ترتيبات خاصة وصلاحيات وضمانات يجري التفاوض بشأنها.
ويأتي هذا النقاش في وقت يقوم فيه مجلس الأمن ببحث الملف قبل اتحاذ قرار نهاية أكتوبر الجاري، في ظل استمرار الخلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو حول طبيعة التسوية النهائية، رغم التحول الذي أحدثه القرار 2797 في الإطار المرجعي للمفاوضات.

