تستعد حكومة عزيز أخنوش لمغادرة السلطة بعد خمس سنوات من تدبير الشأن العام، تاركة وراءها ملفات مالية واقتصادية مثيرة للجدل، تتداخل فيها شبهات تضارب المصالح مع اتهامات بالاستفادة من الصفقات العمومية والدعم الحكومي، وسط تساؤلات بشأن الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة المقبلة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، مع هذا الإرث، وما إذا كانت ستفتح تحقيقات إدارية وقضائية لتحديد المسؤوليات.
وتبرز هذه التساؤلات في سياق انتقال السلطة بين حزبين كانا شريكين في الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، هما التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، وهو ما يطرح سؤال الاستمرارية السياسية وحدود قدرة الحكومة الجديدة على مساءلة ممارسات حكومة شارك حزب رئيستها في تدبيرها.
ملف اسعار المحروقات الحارق
وتتصدر قضية المحروقات قائمة الملفات المثيرة للجدل، بالنظر إلى ارتباط رئيس الحكومة المنتهية ولايته بمجموعة “أكوا”، المالكة لشركة “أفريقيا”، إحدى الشركات الكبرى العاملة في توزيع المحروقات. وأثارت الأرباح التي حققتها شركات القطاع بعد تحرير الأسعار اتهامات باستغلال ضعف المنافسة، فيما جرى تداول رقم 17 مليار درهم باعتباره أرباحاً غير مستحقة، دون أن يثبت قضائياً بهذه الصفة.
وفي نونبر 2023، أعلن مجلس المنافسة التوصل إلى اتفاقات صلح مع تسع شركات لتوزيع المحروقات ومنظمتها المهنية، مقابل أداء مبلغ إجمالي يقارب 1.84 مليار درهم، في أعقاب تحقيق بشأن ممارسات منافية لقواعد المنافسة. ويعيد الملف طرح التساؤلات حول فعالية الرقابة على الأسعار، وحدود الفصل بين المسؤولية الحكومية والمصالح التجارية الخاصة.
ولا تقتصر القضية على شركة “أفريقيا”، إذ تشمل التساؤلات أيضاً شركات أخرى، بينها “بتروم” المرتبطة بعائلة بوعيدة، التي تنتمي إليها مباركة بوعيدة، القيادية في حزب التجمع الوطني للأحرار، ما يجعل تدقيق علاقات الملكية والمصالح الاقتصادية والسياسية أحد جوانب هذا الملف.
صفقة محطة تحلية مياه البحر
ويبرز كذلك مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، الذي تبلغ قيمته الاستثمارية نحو 6.5 مليارات درهم، وفاز به تحالف يضم شركة “أكسيونا” الإسبانية وشركتين مغربيتين مرتبطتين بالمجموعة الاقتصادية لأخنوش، هما “غرين أوف أفريكا” و”أفريقيا غاز”.
وأثار إسناد المشروع اتهامات سياسية بتضارب المصالح، بسبب الجمع بين رئاسة الحكومة والارتباط الاقتصادي بالشركات المستفيدة، بينما دافع أخنوش عن قانونية مسطرة المنافسة. ولم يثبت بحكم قضائي أن الصفقة شابها فساد، غير أن الجدل يطرح سؤال الضمانات المعتمدة لمنع تأثير المسؤولية الحكومية في إسناد المشاريع الاستراتيجية.
صفقة المستلزمات الطبية
وفي قطاع الصحة، أثارت صفقات توريد الأدوية والمستلزمات الطبية التي حصلت عليها شركة “فارما بروم”، المرتبطة بوزير التربية الوطنية محمد سعد برادة، تساؤلات بشأن استمرار العلاقات بين أعضاء الحكومة وشركات تتعامل مع المؤسسات العمومية.
وتعزز الجدل بعد نشر معطيات ووثائق برلمانية بشأن صفقات الشركة، واتهامات باستمرار مشاركة الوزير في أنشطتها التسييرية بعد تعيينه، وهي اتهامات تستدعي التحقق القانوني، دون أن تشكل بذاتها دليلاً على ارتكاب جريمة.
فتح ملف “المغرب الأخضر” وصفقة “الفراقشية”
أما القطاع الفلاحي، فيحمل إرثاً أقدم يعود إلى مخطط “المغرب الأخضر”، الذي أشرف عليه أخنوش منذ إطلاقه سنة 2008 عندما كان وزيراً للفلاحة. ورغم أن المخطط سبق ولايته رئيساً للحكومة، فإن حصيلته ظلت محل مساءلة، خصوصاً بشأن توزيع الدعم العمومي، واستفادة كبار المستثمرين، وأثر الزراعات الموجهة للتصدير على الموارد المائية والأمن الغذائي.
وازداد الجدل مع ملف دعم استيراد الأغنام واللحوم، بعدما تحدثت المعارضة عن كلفة إجمالية تناهز 13.3 مليار درهم، تشمل الإعفاءات والامتيازات، فيما أعلنت وزارة الفلاحة أن الدعم النقدي المباشر لاستيراد أغنام عيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغ 437 مليون درهم، وهو ما أصبح يعرف إعلاميا بصفقة “الفراقشية”. ويطرح التباين بين الرقمين ضرورة التدقيق في طبيعة الأموال والامتيازات، وهوية المستفيدين، ومدى انعكاس التدخلات الحكومية على الأسعار.
وتضاف إلى هذه الملفات تساؤلات بشأن إلغاء بعض الصفقات العمومية بوزارة الصحة وإعادة طرحها، وحكامة برامج مواجهة الجفاف، وتوزيع الإعانات العمومية، فضلاً عن الاختلالات التي رصدتها تقارير المؤسسات الرقابية في تدبير بعض البرامج والمرافق العامة.
أول اختبار للحكومة الجديدة
وفي هذا السياق، ستكون الحكومة المقبلة أمام اختبار يتجاوز الإعلان عن برامج اقتصادية واجتماعية جديدة، إلى توضيح موقفها من ملفات سابقتها، والكشف عن الإجراءات التي ستعتمدها لضمان الشفافية وتفادي تضارب المصالح، مع احترام استقلال القضاء واختصاص المؤسسات الرقابية.
وتملك الحكومة صلاحية طلب افتحاصات إدارية ومالية وإحالة ما قد يكشف عن مخالفات على الجهات المختصة، لكنها لا تملك إصدار أوامر قضائية بالإدانة أو ترتيب المتابعات، التي تظل من اختصاص السلطات القضائية وفق القانون.
وقد تشكل المائة يوم الأولى من ولايتها مؤشراً سياسياً على توجهها، سواء من خلال إعلان افتحاصات مستقلة، أو نشر معطيات الصفقات والدعم، أو إحالة الملفات التي تستدعي البحث على المؤسسات المختصة.
أما استمرار الصمت بشأن القضايا المثارة، فقد يغذي الانطباع بأن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير قواعد تدبير العلاقة بين السلطة والمال.
وبين خيار المساءلة المؤسسية واحتمال طي الملفات وفق منطق “عفا الله عما سلف”، ستواجه حكومة المنصوري اختباراً مبكراً للمصداقية، في وقت يترقب فيه الرأي العام ما إذا كان الانتقال الحكومي سيفتح مرحلة جديدة من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أم سيكتفي بتغيير الوجوه مع الإبقاء على الملفات القديمة دون حسم.

